الأربعاء، 12 مارس، 2008

الوقف في العالم الاسلامي

عمل الطالب /عبد القادر محمد زهير حبيب
المعهد الديني الثانوي
الصف/ 3ث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقف الاسلامي

لغة : الوقف لغة معناه الحبس والمنع ، فيقال وقفت بمعنى حبست واستبداله بكلمة أوقفت يعتبر لغة رديئة وغير مقبولة .
اصطلاحا : حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرف مباح والعين إما أن تكون داراً أو بستاناً أو نقدا .ً
الفرق بين التبرع وبين الوقف : أن الوقف تبرع دائم لأن المال الموقوف ثابت لا يجوز بيعه ولا التصدق به ولا هبته ، وإنما يتم التبرع فقط بغلته وريعه وتصرف في الجهات التي حددها الواقف. أما التبرع فهو بذل المال أو المنفعة للغير بلا عوض بقصد البر والمعروف وللتبرع صور كثيرة منها الصدقة ، والهبة ، والوصية ، والقرض ، والوقف ، والكفالة .

أنواع الوقف

يختلف نوع الوقف باختلاف الموقوف عليه ، وهو بذلك ينقسم إلى أنواع ثلاثة هي:
الوقف الأهلي ( الذري) : ما جعلت فيه المنفعة لأفراد معينين أو لذريتهم سواء من الأقرباء أو من الذرية أو غيرهم ، وقد يشترط الواقف فيه أن يؤول إلى جهة بر بعد انقطاع الموقوف عليهم ( وفي هذه الحالة يعتبر وقفاً أهلياً إبتداءاً خيرياً مآلاً ) .
الوقف الخيري : ما جعلت فيه المنفعة لجهة بر أو أكثر وكل ما يكون الإنفاق عليه قربة لله تعالى.
الوقف المشترك: ما يجمع بين الوقف الأهلي والخيري.
مشروعية الوقف وحكمه :
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقف باعتباره صدقة جائز شرعا ومندوب إليه ، واستدلوا بأدلة عامة وأدلة خاصة نذكر منها :-
أدلة عامة : استدلوا على الصدقات عموماً ومنها الوقف بقوله تعالى : " لن تَنَالُوا البرَّ حتى تنفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ " ( سورة آل عمران - من الآية 92 )، كما استدلوا بقول النبي صلى الله عليه و سلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) . والوقف نوع من الصدقة الجارية .
أدلة خاصة : استدلوا بوقف الرسول صلى الله عليه و سلم فقد ثبت أنه عليه السلام قد وقف في سبيل الله أرضا له ، فقد روي عن عمرو بن الحارث بن المطلق أنه قال : " ما ترك رسول الله صلى الله عليه و سلم إلاّ بغلته البيضاء وسلاحه ، وأرضاً تركها صدقة " . رواه البخاري
وأيضا ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما : " أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه فكيف تأمرني به ، قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث ، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه " ومعنى ( أنفس ) أي أغلى وأجود ، ومعنى ( وليها ) أي يتولى النظارة عليها ، وهذا الحديث أصل في مشروعية الوقف وأحكامه .
حكمة مشروعية الوقف :
الوقف نوع من أنواع الصدقات التي يقصد بها التقرب إلى الله تعالى ، فهو من القرب المشروعة التي حث الشارع الكريم عليها وندب إليها وطريق من طرق إدرار الخير ، واجزال المثوبة للمتصدق ، إذا اقترن عمله بنية صالحة ورغبة صادقة .
أهداف الوقف (للوقف هدفان):
هدف عام : فللوقف وظيفة اجتماعية قد تبدو ضرورية في بعض المجتمعات وفي بعض الأحوال والظروف التي تمر بها الأمم . فيكون للوقف الدور الكبير في تنمية المجتمع بشتى أفرعه فهو يغطي احتياجات الفئات الفقيرة ودور العبادة ابتداء ويتعدى ذلك إلى أهداف اجتماعية واسعة وأغراض خيرية شاملة مثل دور العلم والمصحات الطبية وأصحاب الحاجات الخاصة .
هدف خاص : يتعلق بالجوانب الخاصة بالطبيعة البشرية ، فالإنسان يدفعه إلى فعل الخير دوافع عديدة لا تنفك في مجملها عن مقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها ، منها دوافع دينية واجتماعية وعائلية وواقعية وأخرى غريزية .
أركان الوقف وشروطه :
لا بد لانعقاد الوقف من وجود شخص تصدر عنه الصيغة وهو الواقف ، ومال تقع عليه وهو الموقوف أو عين الوقف ، وجهة تعين لتصرف إليها منافع الوقف وهو الموقوف عليه .
1 – الصيغة :
ينعقد الوقف بالإيجاب فقط دون القبول من الموقوف عليه ، وهو بذلك يختلف عن التصرفات التعاقدية التي يعتبر القبول فيها من أركانها . ويكون الإيجاب إما لفظاً أو كتابة بصورة تدل على معنى حبس العين وصرف المنفعة ، فإذا كان الواقف عاجزا عنهما انعقد بالإشارة المفهمة ، والصورة الرابعة للإيجاب التي ينعقد بها الوقف هي الفعل مع القرينة الدالة على إرادة الواقف . كأن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه ، أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها . فيصير المسجد والمقبرة وقفا بالقرينة الدالة على إرادة الوقف .
ويشترط في صيغة الوقف الجزم : بأن تكون صيغة الوقف جازمة لا تحتمل عدم إرادة الوقف فلا ينعقد الوقف بالوعد ، ويشترط فيها التنجيز ويقصد به عدم تعليق الوقف على شرط كتعليق الوقف على قدوم شخص ويشترط في الصيغة كذلك التأبيد بأن تدل الصيغة على استمرار الوقف دون تقييد بزمن معين . فلا يصح تأقيت الوقف بمدة معينة وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وقال المالكية بجواز تأقيته . ويقصد بالتأقيت تعيين مدة زمنية ينتهي الوقف بمضيها .
2 – شروط الواقف :
يشترط في الواقف ليكون وقفه صحيحا أن يكون أهلا للتبرع بأن يكون حراً وبالغاً وعاقلاً ورشيداً، وألا يكون مكرها على وقفه ويكون مالكا للعين التي يريد وقفها .
3 – شروط الموقوف ( عين الوقف ) :
يشترط في الشيء المراد وقفه أن يكون مالا متقوماً مباحاً للانتفاع به فلا يصح وقف الخمر مثلاً، مملوكا للواقف عند إنشاء الوقف ، معلوما وقت الوقف علماً نافياً للجهالة .
ويجوز أن يكون الموقوف مالاً نقدياً أو عقاراً أو أسهماً أو أي منقول يمكن الانتفاع به ، ويشترط دوام الانتفاع فيه وليس من المستهلكات التي يزول عينها كالأطعمة مثلاً . كما يصح وقف المشاع وهو الحصة التي يملكها أحد الشركاء فيما لم يقسم من عقار ونحوه وتكون معلومة بالنسبة كالربع أو النصف أو المساحة كما يصح وقف العقار ويجوز أن يتزايد الأصل الموقوف نتيجة إضافات تحدث عليه سواء كانت الإضافات عينية أو نقدية حسب الأحوال .
4 – شروط الموقوف عليه :
وهي الجهة التي تستحق ريع المال الموقوف ومنافعه ، وهي الجهة التي يكون الوقف عليها قربة في ذاته وعند الواقف بحيث يعتقد أنه سوف يؤجر على وقفه هذا ، ويشترط في الموقوف عليه ألا يكون جهة يحرم الوقف عليها في الشريعة الاسلامية ويشترط في الموقوف عليه أن يكون على جهة لا تنقطع ، كالوقف على جهات الخير والبر مثل:القرآن الكريم ، والمساكين ، والفقراء ، والإطعام ، وغيرها في الوقف الخيري ، وعلى الأبناء ، والأقرباء ، في الوقف الأهلي .
الوقف على النفس :
يجوز للواقف أن يجعل غلة الموقوف كلها أو بعضها لنفسه ما دام حياً ، ثم من بعده لمن يشاء ، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف والظاهرية والإمام أحمد في أحد قوليه ، وحجتهم في ذلك ما روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه كان يأكل من وقفه ، والوقف لا يحل الأكل منه إلا بشرط ، فكان هذا دليلا على أنه يصح للواقف أن يجعل غلة الوقف كلها أو بعضها لنفسه ، كما يتحقق من هذا الرأي التيسير على الناس ، والترغيب لهم في الوقف ، ولهذا أخذ مشروع قانون الوقف الكويتي بهذا الرأي .
وقف المدين ووقف المريض مرض الموت :
إذا كان الواقف مدينا بدين مستغرق ماله كله ، وكان محجورا عليه بناء على طلب الدائنين فلا ينفذ وقفه إلاّ إذا أجازه الدائنون . وذلك على اعتبار أن أداء الدين واجب ، والوقف تبرع والواجب مقدم على التبرع . ولأن المدين بدين مستغرق قد يتخذ الوقف وسيلة للتهرب من حقوق الدائنين وإلحاق الضرر بهم ، وهذا لا يجوز شرعا . فسداً لهذا الباب يجعل وقفه متوقفاً على إجازة الدائنين ، محافظة على حقوقهم .
وكذلك الحال في وقف المريض مرض الموت ( وهو المرض الذي يقوم بالإنسان فيعجزه عن مباشرة أعماله التي كان يزاولها حال صحته وينتهي بالموت ) . لأن مرض الموت يترتب عليه تعلق حقوق الدائنين بمال المريض من وقت نزول المرض به وقبل حصول الوفاة بالفعل ، محافظة على حقوقهم ، حتى لا يتصرف في ماله تصرفا يؤدي إلى ضياع الحقوق .
ووقف المريض مرض الموت إذا لم يكن مدينا يأخذ حكم الوصية ، ويكون صحيحا ونافذا ، وللواقف أن يرجع عنه مادام حيا ، فإذا مات وكان له وارث ، فإن كان ما وقفه لا يزيد على الثلث نفذ الوقف في حدود الثلث وتوقف فيما زاد عن الثلث على إجازة الورثة ، فإن أجازوه نفذ ، وإن لم يجيزوه بطل ،( وإن أجازه البعض دون البعض نفذ الوقف في حق من أجازه ، وبطل في حق من لم يجزه).
الوقف المضاف إلى ما بعد الموت ( الوصية بالوقف ) :
الوقف إما أن يكون منجزا حال الحياة أو مضافا الى ما بعد الموت ، أما المنجز فينفذ بمجرد صدوره من الواقف ، ويجوز أن يكون في المال كله أو في نصيب معين وفقا لرغبة الواقف ( كما لو قال وقفت مالي كله وقدره كذا أو مبلغ معين على أعمال الخير أو البر وقفاً منجزاً ) .
أما الوقف المضاف إلى ما بعد الموت وهو ما ضمن الواقف صيغته ما يفيد تأجيل نفاذ وقفه إلى ما بعد وفاته ( كما لو قال بأنني وقفت ثلث مالي من بعد عيني لينفق من ريعه على وجوه الخيرات)، فإن كان ما وقفه لا يزيد على الثلث نفذ الوقف في حدود الثلث وتوقف فيما زاد عن الثلث على إجازة الورثة ، فإن أجازوه نفذ ، وإن لم يجيزوه بطل ، وإن أجازه البعض دون البعض نفذ الوقف في حق من أجازه ، وبطل في حق من لم يجزه .
وقف غير المسلم والمرتد :
إذا كان الواقف غير مسلم فيصح وقفه إذا كانت الجهة الموقوف عليها قربة لله تعالى في الشريعة الإسلامية ، ويبطل إذا لم تكن قربة من غير التفات إلى شريعة الواقف واعتقاده . أما المرتد فلما كان من شرط صحة الوقف أن يكون الموقوف ملكا للواقف فقد اختلف أقوال الفقهاء في حكم وقف المرتد بناء على اختلافهم في أثر الردة في زوال ملك المرتد عن ماله ، والراجح أنه لا يصح وقف المرتد لأن ملكه يزول بالردة ، والوقف من التصرفات التي لا يصح تعليقها على رجوعه إلى الإسلام إذ يشترط فيه التنجيز .
شرط الواقف :
إذا شرط الواقف في وقفه ما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية وبما لا يضر في مصلحة الوقف أو الموقوف عليهم وجب على ناظر الوقف اتباع شرطه وتنفيذه ، فقد اعتبر الفقهاء شرط الواقف في حكم نص الشارع في وجوب الالتزام به . ولكن يجوز مخالفة الشرط الصحيح إذا أصبح العمل به في غير مصلحة الوقف أو الموقوف عليهم أو كان يفوت غرضا للواقف أو مصلحة أرجح منه ، ومثال الشروط المخالفة للشرع أن يشترط الواقف العزوبة فيمن يستحق في الوقف . ومثال الشرط المخالف لمصلحة الوقف ما إذا شرط ألا يؤجر الوقف إلا بأجرة معينة والحال أن هذه الأجرة لا تكفي لعمارة الوقف أو أن تصبح أقل من أجرة المثل ، ففي هذه الأحوال وأمثالها لا يعمل بشرط الواقف . ونص الفقهاء على أن الوقف إذا اقترن بشرط غير صحيح بطل الشرط وصح الوقف .
الشروط العشرة :
وهي طائفة من الشروط الصحيحة للواقف أن يشترطها في وقفه ، وقد اهتم بها أغلب الواقفين وحرصوا على النص عليها في أوقافهم ، وقد أصطلح على تسميتها بالشروط العشرة وهي :
1- الإعطاء : والمراد به أن يُؤثر الواقف بعض المستحقين بغلة الوقف كلها أو بعضها مدة معينة أو بصورة دائمة .
2- الحرمان : والمراد به منع الغلة عن بعض المستحقين مدة معينة أو بصورة دائمة .
3- الإدخال : والمراد به جعل من ليس مستحقا في الوقف مستحقا فيه ، بمعنى إدخال غير موقوف عليه وجعله من أهل الوقف ، فيكون بذلك مستحقا .
4- الإخراج : وهو جعل من كان مستحقا في الوقف غير مستحق ، بمعنى إخراج الموقوف عليه من الوقف ليكون بعدها من غير أهل الوقف مدة معينة أو بصورة دائمة .
5- الزيادة : وهي التعديل في أنصبة ومرتبات المستحقين في الوقف بالزيادة ، بمعنى تفضيل بعض الموقوف عليهم على الباقين بشيء يميزهم به حين توزيع الغلة أو الزيادة في نصيب أحد الموقوف عليهم على الدوام ، وهو ما يستلزم النقصان إذا كان ما زاده يعود على باقي المستحقين .
6- النقصان : وهو التعديل في أنصبة ومرتبات المستحقين في الوقف بالنقصان ، بمعنى أن ينقص من نصيب أحد الموقوفين عليهم أو بعضهم بأن يعطيه أقل مما أعطى غيره إذا لم تكن الأنصبة معينة ،وهو ما يستلزم الزيادة إذا كان ما نقصه يعود على باقي المستحقين .
7- التغيير : وهذا الشرط يشمل الشروط السابقة ويتناولها جميعها ، فيعتبر إجمالاً بعد التفصيل ، فالشروط السابقة نوع من التغيير ، لذلك إذا شرط الواقف لنفسه حق التغيير كان له الحق في الشروط السابقة ، كما له أن يغير في مصارف الوقف بطريقة أخرى فله أن يجعل المصارف مرتبات بدل أن تكون حصص .
8- التبديل : المقصود به التبديل في العين الموقوفة ، وذلك يشمل أمرين هما : التبديل في منفعة الموقوف كأن يجعل الأرض الزراعية مساكن مثلاً ، كما يشمل مقايضة عين بعين .
9- الإبدال والاستبدال : والمراد بالإبدال إخراج العين الموقوفة عن جهة وقفها في مقابلة بدل من النقود أو الأعيان بمعنى بيع العين الموقوفة ، والمراد بالاستبدال أخذ البدل ليكون وقفاً مكان العين التي كانت وقفاً وبمعنى آخر شراء عين أخرى تكون وقفاً بدلها . وإذا ما ذكر أحدهما وحده فإنه يراد به معنى يشملهما ، وهو بيع العين الموقوفة وشراء أخرى لتكون وقفاً بدلها .
مسوغات مخالفة شرط الواقف :
تجوز مخالفة شرط الواقف في الأحوال الآتية :-
أ- إذا أصبح العمل بالشرط في غير مصلحة الوقف ، كأن لا يوجد من يرغب في الوقف إلا على وجه مخالف لشرط الواقف .
ب- إذا أصبح العمل بالشرط في غير مصلحة الموقوف عليهم كاشتراط العزوبة مثلاً .
جـ- إذا أصبح العمل بالشرط يفوت غرضا للواقف ، كأن يشترط الإمامة لشخص معين ويظهر أنه ليس أهلاً لإمامة الصلاة .
د- إذا اقتضت ذلك مصلحة أرجح ، كما إذا وقف أرضا للزراعة فتعذرت وأمكن الانتفاع بها في البناء ، فينبغي العمل بالمصلحة ، إذ من المعلوم أن الواقف لا يقصد تعطيل وقفه وثوابه .
الرجوع في الوقف :
يرى الفقهاء عدم جواز الرجوع في الوقف لأن الأصل فيه أن يكون لازماً متى صدر من مالكه مستكملا شروطه ، إلاّ أن أبا حنيفة يرى عدم لزوم الوقف فيجوز للواقف أن يرجع في وقفه إلاّ إذا كان الوقف مسجداً أو موقوفا على مسجد أو أن يقضي القاضي بلزوم الوقف ، ففي هذه الحالة لا يجوز للواقف الرجوع فيه . وفي الكويت أخذ الأمر السامي بالرأي الأخير القائل بجواز الرجوع في الوقف كله أو بعضه خيريا كان أو ذرياً ، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه ولو حرم نفسه من ذلك ، إلاّ في وقف المسجد أو المقبرة وفيما وقف عليهما فإنه لا يجوز الرجوع فيه أو التغيير فيه ولو شرط ذلك .
المشاركة في الوقف :
يجوز أن يشترك شخص أو أكثر في تكوين الوقف ، سواء أن تكون صورة المشاركة بحصص نقدية أو عينية ، كما يجوز أن تكون المشاركة في تكوين الوقف من خلال الاستقطاعات الشهرية أو السنوية أو غيرها التي يتبرع بها أصحابها في المساهمة في تكوين الوقف .
اشتراط القبول لاستحقاق الوقف :
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقف إذا كان على شخص معين فإنه يشترط قبوله . ليستحق الوقف . أما إذا كان الموقوف عليه غير معين فلا يشترط قبوله . والجمهور يعتبرون القبول شرطا لصحة الوقف وللاستحقاق . والمالكية يعتبرونه شرطا للاستحقاق فقط . ويقصد بالاستحقاق ثبوت حق الموقوف عليه في الانتفاع بالوقف .فإذا لم يقبل الشخص المعين الوقف ورد الموقوف عليه فإن نصيبه في الاستحقاق ينتقل إلى من يليه في الاستحقاق إن وجد إذا كان الواقف قد رتب الموقوف عليهم في طبقات وإلا انتقل إلى الفقراء .
اشتراط الحيازة والقبض :
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقف يتم ويلزم بمجرد اللفظ من غير حاجة إلى أن يقبض الموقوف عليهم الغلة أو العين الموقوفة . واشترط المالكية لتمام الوقف ولزومه الحيازة بأن يحوز ناظر الوقف العين الموقوفة . فيبطل الوقف إذا لم يحز الموقوف أو حدث مانع كموت الواقف .
تعين الجهة الموقوف عليها :
إذا عين الواقف الجهة تعينت ، ولا يجوز الانتقال إلى غيرها إلا إذا استغنت هذه الجهة وفاض الوقف عن حاجتها ووجدت جهة مماثلة لها . وإذا كان الوقف على الخيرات ولم يعين الواقف جهة من جهات البر أو عينها ولم تكن موجودة أو لم تبق حاجة إليها أو زاد ريع الوقف على حاجتها صرف الريع أو فائضه إلى من يكون محتاجا من ذرية الواقف ووالديه بقدر كفايتهم ثم إلى المحتاج من أقاربه ثم إلى جهة من جهات البر وفي حالة ما إذا لم تكن جهة البر التي عينها الواقف موجودة ثم وجدت كان لها ما يحدث من الريع من وقت وجودها .
موت أحد المستحقين أو حرمانه من استحقاقه :
إذا مات مستحق أو حرم وكان الوقف على شخص عينه الواقف بنفسه ولم يوجد من يليه في الاستحقاق عاد نصيبه إلى من كان يشترك معه في الحصة وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء فلو وقف شخص على ولديه أحمد ومحمود وعلى أولادهما من بعدهما ثم مات أحدهما دون أن يكون له ولد عاد نصيبه إلى أخيه لأنه هو الذي يشترك معه في الحصة . إذا كان الوقف مرتب الطبقات ومات أحد المستحقين كان نصيبه لفرعه فان لم يوجد كان نصيبه لمن هو في طبقته من أهل الحصة التي كان يستحق فيها .
اشتراط مرتبات في الوقف :
إذا جعل الواقف وقفه لبعض الموقوف عليهم وشرط لغيرهم مرتبات قسمت الغلة بالمحاصة بين الموقوف عليهم وذوي المرتبات بنسبة ما بين المرتبات والغلة وقت الوقف أن علمت الغلة وقته ، وأن لم تعلم وقت الوقف قسمت الغلة بين أصحاب المرتبات والموقوف عليهم على اعتبار أن للموقوف عليهم كل الغلة ولأصحاب المرتبات بقدر مرتباتهم ( يقصد بالغلة : ريع الموقوف ، ويقصد بالمحاصة : أي بالحصص وهي ما قدره الواقف من نصيب يستحقه الموقوف عليهم ) . وإذا اشترط الواقف سهاما لبعض الموقوف عليهم ومرتبات للبعض الآخر كانت المرتبات من باقي غلة الوقف بعد السهام فإذا لم يف الباقي بالمرتبات قسم على أصحابها بنسبتها وإذا زادت الغلة على السهام والمرتبات قسمت بين المستحقين للنوعين بنسبة استحقاقهم . ويقصد بالسهام : النصيب المقدر الذي عينه الواقف.
مصطلحات وقفية
1. الإبدال والاستبدال : الإبدال هو بيع عين الوقف ببدل من النقود أو الأعيان ، أما الاستبدال فهو شراء عين أخرى وجعلها وقفاً بالبدل الذي بيعت به عين الوقف .
2. الإدخال والإخراج : الإدخال هو أن يدخل في الاستحقاق من ليس مستحقا في الوقف أو يخرج أحد المستحقين من الموقوف عليهم فلا يكون من أهل الاستحقاق .
3. الإعطاء والحرمان : الإعطاء هو إيثار بعض المستحقين بالعطاء مدة معينة أو دائما ، والحرمان هو منع الريع عن بعض المستحقين مدة معينة أو دائما .
4. الزيادة والنقصان : الزيادة بأن يزيد في نصيب مستحق من المستحقين في الوقف أو ينقص .
5. التغيير والتبديل : التغيير هو حق الواقف في تغيير الشروط التي اشترطها في الوقف ، والتبديل هو حق الواقف في تبديل طريقة الانتفاع بالموقوف بأن يكون داراً للسكن فيجعلها للإجارة .
6. استحقاق : الاستحقاق في الوقف هو جعل أو تخصيص قدر معين أو غير معين من غلة وقف لموقوف عليه ، والموقوف عليه هو المستحق ولابد من اتباع شرط الواقف في تحديد المستحق وتوزيع الغلة وكيفية التصريف في نصيب من يموت من المستحقين .
7. انقطاع : هو انقراض الموقوف عليهم في الوقف الأهلي (الذري) بالموت، كأن يقف على أولاده فيموتوا جميعا ولا يبقى من يستحق الريع، أو انقراض الجهة الموقوف عليها في الوقف الخيري كأن يقف على فقراء بلد معين فلا يبقى فيهم فقير.
8. إنتهاء الوقف : انتهاء الوقف هو عودته لملك الواقف أو ورثته ، وينتهي الوقف بانتهاء مدته إن كان مؤقتا عند من يقول بالتأقيت ، وكذا ينتهي في كل حصة فيه بانقراض أهلها ويؤول ما انتهى فيه الوقف للواقف كما ينتهي الوقف الأهلي إذا تخربت أعيانها كلها أو بعضها .
9. بر : البر : الاتساع في الإحسان إلى الناس ، والبر اسم جامع للخيرات كلها ويطلق على العمل الخالص الدائم ، وقد اشترط الفقهاء في أن يكون الموقوف عليه جهة بر يتقرب به إلى الله ويرجى الثواب عليه ولذلك لا يجوز الوقف على معصية .
10. بطون : يطلق الفقهاء أولاد البطون على الأولاد من البنات ، ويقابله أولاد الظهور وهم الأولاد من الذكور كما يطلق البطن على نسل الرجل فالبطن الأول هم الأبناء والبطن الثاني هم أولاد الأبناء .
11. تأبيد : يقصد بالتأبيد في الوقف ألا يكون مؤقتاً بأجل معين ينتهي الوقف بانتهائه .
12. تأقيت : يقصد بتأقيت الوقف أن يحدد الواقف لوقفه مدة معينة فإذا انقضت اعتبر الوقف منتهياً وعاد الوقف إلى ملكه .
13. تبرع : التبرع هو بذل المال أو المنفعة للغير بلا عوض بقصد البر والمعروف ، والوقف صورة من صور التبرع .
14. ترتيب الطبقات : هو ترتيب الواقف استحقاق الموقوف عليهم في الوقف في درجات تشمل كل درجة منها مجموعة من المستحقين بحيث لا ينتقل الاستحقاق إلى من بعدهم إلا بوفاتهم ، كأن يقول الواقف ( وقفت على أولادي ثم أولادهم ) .
15. تعطيل الوقف : التعطيل : التفريغ ، وتعطيل الموقوف هو أن تصبح الأعيان الموقوفة غير صالحة للانتفاع بها في الغرض الموقوفة لأجله ، كأن تهجر المساكن حول المسجد وتتعطل الصلاة فيه ، وإذا تعطلت منافع الموقوف يباع ويشتري بدله وقفاً .
16. ذمة الواقف : الذمة في اللغة : العهد والضمان وفي الاصطلاح : وصف يصير الإنسان به أهلاً لما له وما عليه فالأهلية أثر لوجود الذمة واعتبر الفقه الإسلامي الوقف شخصاً اعتبارياً له ذمة مالية مستقلة .
17. رجوع : يقصد بالرجوع في الوقف : أن ينهي الواقف وقفه ويلغيه ويعيده إلى ملكه .
18. جهة : جهة الوقف هو الموقوف عليه الذي يقصده الواقف ويستعمل الجهة في الوقف غالباً مضافة إلى البر والخير والقربة العامة وهو الموقوف عليه غير المعين .
19. حصة : الحصة في اللغة النصيب من الطعام والشراب والأرض ويقصد بالحصة في الوقف نصيب الموقوف عليه من الغلة ويقدرها الواقف .
20. خيرات : الخير في اللغة ضد الشر ، والخيرات في اللغة جمع خيرة وهي الفاضل من كل شيء ، والخيرات في اصطلاح الفقهاء اسم شامل لأبواب البر العامة .
21. ذرية : الذر : النسل ، وذرية الرجل أولاده ، والذرية تشمل أولاد الواقف وبناته وذريتهم .
22. ريع : الريع في اللغة النماء والزيادة ، ويقصد بها غلة الوقف الناتجة عن استثماره .
23. شغور : الشغور في اللغة الخلو والفراغ ، ويقصد به ألا يكون للوقف ناظر ويشمل ثلاث حالات :
1. عدم تعيين الواقف ناظراً له .
2. وفاة الناظر .
3. عزل الناظر.
24. صيغة الوقف : صيغة الوقف مركب إضافي من كلمتين : صيغة ووقف وتطلق الصيغة ويراد بها الألفاظ والعبارات التي يعبر بها الواقف عن إرادته في الوقف .
25. طبقة : الطبقة في اللغة المرتبة وفي الاصطلاح تطلق الطبقة على الجيل أي أهل الزمان الواحد ، كما لو قال الواقف : أرضي صدقة موقوفة على أولادي .
26. عرف : العرف هو العادة المستقرة التي جرى عليها عمل الناس في كلامهم ومعاملاتهم وهو ما يفسر به كلام الواقف وشروطه المنصوص عليها في حجة الوقف .
27. موقوف : الموقوف هو المال الذي وقفه الواقف وجعل غلته على أوجه الخير والبر والنفع .
28. موقوف عليه : الموقوف عليه هو من يستحق الريع من الوقف ، والموقوف عليه أحد أركان الوقف الأربعة ، الصيغة – الواقف – الموقوف – الموقوف عليه ، ويشترط في الموقوف عليه أن يكون جهة بر .
29. نظارة : النظارة في اللغة مأخوذة من النظر ويستعمل كذلك بمعنى الحفظ وإدارة والناظر من يتولى الوقف وتشمل إدارة الوقف عمارته وصيانته والمحافظة عليه ليكون محققاً للغلة كما تشمل صرف الغلة للمستحقين .
30. واقف : الواقف هو من صدر منه الوقف ، ويشترط في الواقف أهلية التبرع بأن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً .
31. وقف أهلي : الوقف الأهلي ما جعلت فيه المنفعة ابتداءا على أقارب الواقف أو على أفراد معينين للأفراد ويقال للوقف الأهلي وقف ذري .
32. الوقف الخيري : ما جعلت فيه المنفعة لجهة أو أكثر من جهات الخير وهو ما جعل ابتداء على جهة من جهات البر كالفقراء والمساجد .
33. الوقف المشترك : ما يجمع بين الوقف الخيري والأهلي .
آثـــــــــار الوقف
من المعروف أن من قواعد علم التنظيم أن " الوظيفة تخلق الجهاز " ، ومن البديهي أيضاً أنه لا تنمية بدون تغيير ، والوقف في المجتمع الإسلامي يوفر الإطار المناسب لعملية التغيير المرتبط بالثوابت الشرعية كما يوفر آلية لتعبئة الإمكانات المجتمعية – سواء أكانت إمكانات مادية أم إمكانات بشرية وخبرات تخصصية – ويوظفها لخدمة أغراض التنمية ، وهذا أبرز أدوار القطاع الوقفي كمؤسسة الكلية للمجتمع . ويبرز ذلك بوضوح في المعاني الرئيسية التالية :
1- أثبت التاريخ الارتباط الكبير بين الوقف والتنمية ، فمعظم الأعمال التنموية والحضارية الجليلة التي سجلها التاريخ الإسلامي في عصور ازدهاره في مختلف الميادين كان الوقف من خلفها يدعمها بالمال والجهد والخبرات .
2- إن تعبئة الإمكانات المادية والبشرية والخبرات من خلال المشروعات الوقفية يؤدي إلى ترشيد الإنفاق العام بحيث يمكن توجيه موارد الميزانية العامة للدولة وفق أولويات دورها الرئيسي مع تخفيف الأعباء التنموية عنها ، ليس فقط في مجال ترشيد الإنفاق على الخدمات بل أيضا في مجال ترشيد الإنفاق على إدارة شئون المجتمع ، فليس الأصل أن تعمل الدولة على تنفيذ كامل العمليات التنموية إضافة إلى تأمين كافة احتياجات المواطنين والإنفاق بالكامل على توفير الخدمات اللازمة لهم .
3- إن استمرار تجربة التنمية الوقفية وتراكم الخبرة في مجالها يؤدي إلى تطوير المؤسسات الوقفية لتصبح نظاما يمكن من استباق الأزمات وذلك من خلال الاستفادة من الخبرات الشعبية والرسمية العاملة في التنظيمات الوقفية في إعداد تصورات عن خطط مواجهة الأزمات قبل وقوعها ، واتخاذ الترتيبات اللازمة لمواجهتها بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية والأساليب الروتينية .
4- يوفر الوقف حداً أدنى من الاستقرار المالي لعدد من مجالات التنمية الاجتماعية الهامة ، ويحميها من تقلبات التمويل الحكومي الذي قد يتعرض لأزمات ناتجة عن نقص الإيرادات التقليدية ، أو زيادة الإنفاق بسبب الطوارئ والأزمات كما أن التبرعات الخاصة – والتي تشكل مصدراً لتمويل بعض الأعمال التطوعية – يمكن أن تتعرض هي أيضا لظروف غير مواتية في أوقات الأزمات والكساد الاقتصادي، وهنا يكون الوقف مظلة الحماية وساتر الأمان من هذه التقلبات والعواصف الاقتصادية .
5- يوفر الوقف صيغة فاعلة من صيغ التأمين الاجتماعي ووسيلة ناجعة لمحاربة تطرف القيم الاستهلاكي، وذلك من خلال الادخار الوقفي للأفراد الذين يرغبون في تأمين ذريتهم من بعدهم، فالوقف بذلك يعد من أحسن أنواع وثائق التأمين على الحياة لصالح الذرية والأهل ، وهي وثيقة تأمين ليست لجيل واحد بل للأجيال المتعاقبة ، ولا يمكن لأحد أن يتصرف فيها أو يصفيها طالما وجد المستحقون لريعها وكذلك يحول الادخار الوقفي لصالح الأبناء والذرية فوائض الدخل إلى هذا الغرض النبيل ويجنب أصحابها تبديدها في مختلف أنماط الاستهلاك الممعن في الترف والتبذير .
6- من خلال تشجيع الادخار الوقفي للأفراد أو الادخار الوقفي المجتمعي لخدمة مشاريع التنمية التي تنفذها الصناديق الوقفية المختلفة ستتوافر قوة مالية متجددة ومتنامية تدعم اقتصاد البلاد فما أصول الوقف إلا احتياجات مالية دائمة الوجود ومستمرة الدعم للاقتصاد الوطني وهو ما تتميز به المجتمعات المتقدمة في العالم المعاصر .
7- يساهم الوقف بفاعلية في معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية الجانبية لعملية الخصخصة وفي مقدمتها مشكلات البطالة وفائض الطاقة لدى قطاع الشباب وليس بخافٍ أن مشكلات البطالة ووقت الفراغ لدى الشباب ليست من المجالات التي تجذب رؤوس الأموال الخاصة للاستثمار ولذلك يمكن للأموال الوقفية أن تستأثر بدور كبير في هذا المجال فنقدم المساعدات ، وتوجد فرص العمل والأنشطة الهادفة وترعى الحرفيين ، وتقدم خدمات إعادة التدريب والتأهيل .
8- أما من الناحية التعبوية في المجتمع الإسلامي الشاب ( الذي يحتل فيه الشباب نسبة كبيرة ) فإن الوقف يوفر مجالات رحبة لاستيعاب الطاقات المجتمعية المادية والبشرية وفي مقدمتها طاقات الشباب خصوصاً فيما يتعلق بحماسهم نحو التغيير والتقدم، فالوقف يضع الإطار الفكري السليم لحركتهم وأنشطتهم ، ويحارب لديهم قيم الأنانية والنزعة الاستهلاكية المتطرفة، وينير لهم الطريق كي يصبحوا قوة دافعة إيجابية في المجتمع .
الوقف الخيري وأثره في تاريخ المسلمين .. د.يوسف القرضاوي
المجتمع المسلم مجتمع متراحم متكافل، يرحم الكبير فيه الصغير، ويعطف فيه الغنيُّ على الفقير، ويأخذ القويُّ بيد الضعيف، وهو كما صوَّره الرسول الكريم: كالجسد الواحد ، وكالبنيان يشدُّ بعضه بعضا .
تسود هذا المجتمع عندما يستمسك بتعاليم الإسلام: عواطف خيِّرة، ومشاعر إنسانية نبيلة، تفيض بالخير والبرِّ، وتتدفَّق بالرحمة والإحسان، تجلَّت هذه المشاعر والعواطف فيما عُرف بنظام (الوقف الخيري) عند المسلمين.
وهذا النظام ثابت من عهد النبوة، ومن المعروف أن أول وقف عُرف في الإسلام، هو وقف عمر بن الخطاب.
فقد روى الجماعة، عن ابن عمر: أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضا بخيبر، لم أُصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ قال: "إن شئتَ حبَّستَ أصلها وتصدَّقتَ بها". قال: فتصدَّق بها عمر - على أن لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث - في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن وابن السبيل، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متموِّل. وفي لفظ: غير متأثِّل مالا .
وفي رواية البخاري: "حبِّسْ أصلها، وسَبِّلْ ثمرتها". وفي أخرى له: "تصدَّق بثمره، وحبِّس أصله". وفي رواية للبيهقي: "تصدَّق بثمره وحبِّس أصله لا يباع ولا يورث" .
وفي حديث عمرو بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكِّل صديقا له غير متأثِّل. قال: وكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر، ويهدي لناس من أهل مكة كان ينزل عليهم.
وفيه من الفقه: أن مَن وقف شيئا على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.
وعن عثمان: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدِم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رُومة، فقال: "مَن يشتري بئر رُومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟". فاشتريتها من صلب مالي .
فقد سجَّل التاريخ لكثير من أهل الخير والثراء من المسلمين: أنهم وقفوا - بدافع الرحمة التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وألاَّ ينقطع عملهم بعد موتهم - أموالهم كلَّها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإعانة المحروم، ومداواة المريض، وإيواء المشرَّد، وكفالة الأرملة واليتيم، وعلى كلِّ غرض إنساني شريف، بل أشركوا في برِّهم الحيوان مع الإنسان.
ولنقرأ هنا فقرات من بيان وزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري، الذي ألقاه في مجلس الشعب المصري، مبينا مآثر الوقف الخيري الإسلامي.
قال رحمه الله: (ولقد تأخذ أحدنا الدهشة - وهو يستعرض حُجَج الواقفين - ليرى القوم في نبل نفوسهم، ويقظة ضمائرهم، وعلوِّ إنسانيتهم، بل سلطان دينهم عليهم: يتخيَّرون الأغراض الشريفة التي يقفون لها أموالهم، ويرجون أن تنفق في سبيل تحقيقها هذه الأموال.
وربما استشرفت النفوس إلى أمثلة من هذا البرِّ يعين ذكرها على تفصيل هذا الإجمال. فإلى هذه النفوس المستشرفة نسوق هذه الأمثلة:
وقف الأواني المكسورة
وهو وقف تُشتري منه صحاف الخزف الصيني، فكلُّ خادم كُسرت آنيته، وتعرَّض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحًا بدلاً منه. وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه.
وقف الكلاب الضالَّة
وهو وقف في عدَّة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذًا لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.
وقف إعارة الحليِّ في الأعراس
وهو وقف لإعارة الحُلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذه يتيسَّر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحُلَّة لائقة، ولعروسه أن تجلَّى في حُلَّة رائقة، حتي يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.
وقف الزوجات الغاضبات
وهو وقف يؤسَّس من رَيعه بيت، ويعدُّ فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من جفاء، وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.
وقف مؤنس المرضى والغرباء
وهو وقف يُنفق منه على عدَّة مؤذنين، من كلِّ رخيم الصوت، حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتِّل كلٌّ منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض، الذي ليس له مَن يخفِّف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له مَن يؤنسه.
وقف الإيحاء إلى المريض بالشفاء
وهو وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرِّضين يقفان قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيردُّ عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير، فهو مرجو البُرء، ولا يوجد في عِلَّته ما يُقلق أو يزعج، وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة أيام!) .
فهذا لون من الإيحاء النفسي للمريض يقرِّب الشفاء، واكتساب العافية. وقد ثبت علميا: أن هذا له أثره الإيجابي في التعجيل بالشفاء بإذن الله.
وقف في بلاد المغرب لمن عجز عن دفع أجرة الحمام
وفي بلاد المغرب: عُرفت أنواع أخرى من الأوقاف، مثل: الوقف على مَن يريد دخول (الحمَّامات العامَّة) ولا يجد أجر الحمَّام، فيأخذ من هذا الوقف ما ينظِّف به جسده، ويقضي وطره.
وقف على نوع مهاجر من الطير
وفي مدينة فاس: وُجد وقف على نوع من الطير، يأتي إلى فاس في موسم معيَّن، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن. كأنما شعر هؤلاء الخيِّرون من المسلمين: أن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حقَّ الضيافة والإيواء!!
الوقف على القطط التي لا مؤوي لها
ومما ذكره الأستاذ الدكتور السباعي في كتابه (اشتراكية الإسلام): وقف رعاية الحيوانات الأليفة التي لا تجد مَن يطعمها، كالقطط - ولا سيما المصابة بالعمى منها - مثل (بيت القطط) الذي قال: إنه كان إلى عهد قريب موجودا في سوق (ساروجة) بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة من الفارهات السمان!!
وهكذا سلك الواقفون كلَّ مسالك الخير، فلم يدعوا جانبًا من جوانب الحياة، دون أن يكون للخير نصيب فيه.
وهم بهذا إنما يصدرون عن إحساسات إنسانية عميقة، تنفذ إلى مواطن الحاجة التي تعرض للناس في كلِّ زمان ومكان. بل هي لم تقتصر على الإنسان، حتى شملت الطير والحيوان!!
ولا شكَّ أن العقيدة هي صاحبة الفضل في خلق هذه الأحاسيس الرقيقة، وإيقاظ تلك المشاعر السامية التي تنبَّهت لتلك الدقائق، في كلِّ زاوية من زوايا المجتمع، وكلِّ منحى من مناحي الحياة. ولم يكفِهم أن يكون برُّهم مقصورًا على حياتهم القصيرة، فأرادوها صدقة جارية، وحسنة دائمة، يُكتب لهم أجرها ما بقيت الحياة، وبقي الإنسان.
المؤسسات الخيرية في تاريخ المسلمين
ومن أبرز الدلائل على رسوخ معنى الخير، ومشاعر البرِّ والمرحمة، وعمق جذوره في تاريخ أمتنا: كثرة المؤسسات التي تُعنى بخير الإنسان، والبرِّ بالإنسان.
ويسرُّني أن أنقل هنا صفحات مشرقة مما كتبه الداعية الكبير العلاَّمة الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه البديع (من روائع حضارتنا) عن هذه المؤسسات، قال:
(كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعا تنشئه الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعا ينشئه الأفراد من أمراء وقوَّاد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدِّد أنواع المؤسسات الخيرية كلَّها، ولكن حسبنا أن نلمَّ بأهمِّها:
فمن أول المؤسسات الخيرية: المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسِّسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك من أموال بالغة على بناء الجامع الأُموي، مما لا يكاد يصدِّقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال، وما استخدم في إقامته من رجال.
ومن أهمِّ المؤسسات الخيرية: المدارس والمستشفيات. وسنفرد لها حديثا خاصًا إن شاء الله.
ومن المؤسسات الخيرية: بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر.
ومنها: التكايا والزوايا، التي ينقطع فيها مَن شاء لعبادة الله عزَّ وجلَّ.
ومنها: بناء بيوت خاصة للفقراء، يسكنها مَن لا يجد ما يشتري به أو يستأجر دارًا.
ومنها: السقايات، أي تسبيل الماء في الطرقات العامَّة للناس جميعًا.
ومنها: المطاعم الشعبية، التي كان يفرَّق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريبًا بهذا النوع في كلٍّ من تكيَّة السلطان سليم، وتكيَّة الشيخ محيي الدين بدمشق.
ومنها: بيوت للحجاج في مكة، ينزلونها حين يفِدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمَّت أرض مكة كلَّها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج، لأنها كلُّها موقوفة على الحجاج.
ومنها: حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، فقد كانت كثيرة جدًا بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقُراها، حتى قلَّ أن يتعرَّض المسافرون - في تلك الأيام - لخطر العطش.
ومن المؤسسات الاجتماعية: ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور.
ومنها: ما كانت للمقابر يتبرَّع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها: ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.
ومنها: المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعَدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كلُّ ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضًا.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين، ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب، لصيانة صحَّتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعَدين بمَن يقودهم ويخدمهم.
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزَّاب ممَّن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور ... فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها: مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية (نقطة الحليب) عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله عزَّ وجلَّ، وقد كان من مَبَرَّات صلاح الدين: أنه جعل في أحد أبواب القلعة - الباقية حتى الآن في دمشق - ميزابًا يسيل منه الحليب، وميزابًا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي الأمهات يومين في كلِّ أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
ومن أطرف المؤسسات الخيرية: وقف (الزبادي) ، للأولاد الذين يكسرون الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلاً من المكسورة، ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنهم لو يصنعوا شيئًا.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات: المؤسسات التي أُقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفًا للخيول والحيوانات العاجزة المُسنَّة ترعى فيه حتى تلاقي حتفها).
تنمية الوقف الإسلامي … تجارب رائدة
مؤسسة الوقف من المؤسسات التي لعبت دورا فاعلا في تاريخ الحضارة الإسلامية حيث كان الوقف هو الممول الرئيسي لكثير من المرافق كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ومنشآت الدفاع والأمن ومؤسسات الفكر والثقافة.ورغم تراجع دور الوقف إبان حقبة الاستعمار إلا أن الآونة الأخيرة شهدت توجها جادا لتفعيل دور الوقف في المجتمعات الإسلامية.في إطار ذلك التوجه سعت بعض هيئات الأوقاف ومؤسسات البحث في العالم الإسلامي ومن بينها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت إلى إثراء الساحة العلمية بالعديد من المؤتمرات والندوات في مجال أبحاث الوقف النظرية والتطبيقية وكان من أبرزها التعاون المشترك بين المعهد والأمانة في تنفيذ برنامج توثيق التجارب الوقفية في الدول الأعضاء.ويعد كتاب ( نظام الوقف في التطبيق المعاصر – نماذج مختارة من الدول والمجتمعات الإسلامية-) ثمرة لهذا التعاون قام بتحريره محمود احمد مهدي .ويشتمل الكتاب على تجارب الوقف في سبع دول إسلامية هي المغرب والجزائر والأردن ولبنان والكويت والسودان وماليزيا إضافة إلى تجربة المجتمع الإسلامي في الهند.وعلى الرغم من المحاولات الجادة لإصلاح التشريعات الخاصة بالوقف في دول المغرب والجزائر ولبنان وماليزيا إلا أن مجال الوقف لم يتعد المساجد ولا يضطلع بدور تنموي في هذه البلاد لذا سنسلط الضوء على التجارب التنموية الرائدة للوقف في الأردن والكويت والسودان والهند.
اعمار الوقف بالأردن
تتعهد وزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية إدارة الأوقاف وتنظيمها واستثمار أموال الوقف وعقد القروض المالية غير الربوية المتعلقة بمشاريع الأوقاف وتقوم الوزارة بتشجيع الوقف الخيري على جهات البر المتعددة وترسيخ معاني الوقف الإسلامي ودوره في التنمية كما قامت الحكومة بزيادة دعم موازنة الأوقاف حيث بلغت نسبة الدعم 13 مليون دينار أردني في عام 1999 .وتلعب الأوقاف دورا هاما في التنمية الشاملة في الأردن
ففي مجال التنمية الاجتماعية:تسعى الوزارة لتفعيل دور المسجد والمدارس والكليات الشرعية ودور الأيتام والمراكز الصحية.وفي مجال التنمية الاقتصادية:يشارك الوقف في حل بعض المشكلات الاقتصادية كالمرض والفقر والجهل ويسهم اعمار الوقف في حل قضايا الإسكان وتوفير الأبنية التجارية كما له دور في تنمية الزراعة من خلال المشروعات الزراعية وتأجير قطع الأراضي بهدف الاستفادة منها .ومن ذلك مشروع اعمار مسجد الشهداء بالكرك حيث تم تنفيذ مشروع متكامل يضم مسجدا وسوقا تجارية ومدرسة وقاعة متعددة الأغراض ومكتبة مما ساهم في خلق فرص عمل ومجالات مهنية جديدة كما اثر على مستوى تنمية الوقف وزيادة موارده من خلال التأجير والاستغلال المباشر للسوق التجاري ورسوم دخول المشروع السياحي واستغلال أراضي المشروع الخالية من المباني في المستقبل.وتتنوع صيغ استثمار أموال الوقف ما بين التمويل الذاتي والإجارة والمرابحة والاستصناع والمزارعة وسندات المقايض.وقد استحدثت الوزارة مديرية للتنمية والاستثمارات الوقفية تهدف لتنمية واستثمار أموال الوقف مع توجيه المواطنين لمجالات عديدة للوقف.
الصناديق الوقفية بالكويت
للكويت تجربة مميزة في الوقف بدأت مع استقلال البلاد وتشكيل أول حكومة في تاريخ الكويت حيث انشأ قطاع مستقل للأوقاف فتراجعت المشاركة الأهلية في الإشراف على الوقف إلا أن الانطلاقة الفعلية للوقف كانت في عام 1993 بصدور مرسوم أميري بإنشاء الأمانة العامة للأوقاف والتي استحدثت تجربة الصناديق الوقفية والمشاريع الوقفية.تقوم الصناديق الوقفية بالدعوة لإحياء سنة الوقف من خلال مشروعات ذات أبعاد تنموية تلبي احتياجات الناس وتجديد الدور التنموي للوقف وتطوير العمل الخيري من خلال طرح نموذج يحتذى به حيث يحق لكل صندوق التعاون منفردا مع جمعيات النفع العام التي تشترك معه في الأهداف ويجوز له القيام بمشاريع مشتركة مع تلك الجمعيات وتغطي هذه الصناديق مجالات القرآن وعلومه ورعاية المعاقين والفئات الخاصة والتنمية الصحية وحماية البيئةالمشاريع الوقفية شهدت التجربة الوقفية تأسيس مشاريع وقفية غطت العديد من المجالات مثل إعداد قواعد البيانات ورعاية الحرفيين والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وثقافة الطفل ورعاية الأسرة وتكريس الإبداع العلمي.

الأسهم الوقفية بالسودان
منذ عام 1989 بدأت هيئة الأوقاف السودانية في استقطاب العديد من الكوادر الإدارية والفنية المؤهلة وحصرت كل الأوقاف وقامت بتوثيقها واستعادت ما اخذ منها بالغصب ووضعت الخطط والبرامج لتنمية الأوقاف رأسيا وأفقيا ومن هذه البرامج الرائدة تجربة الأسهم الوقفية التي أتاحت لصغار المانحين المساهمة في مجال الوقف بإصدار أسهم وقفية يكتتب فيها الواقفون لامتلاك حصة موقوفة منهم في مشروع معين ثم أنشأت الهيئة الشركة الوقفية الأم وهي شركة وقفية قابضة برأسمال مصرح به مقداره 3 مليارات جنيه سوداني ولم يمض وقت طويل حتى استطاعت الهيئة أن تحقق العديد من الانجازات فأنشأت العديد من العقارات الوقفية الحديثة مثل مجمع سوق الذهب وعمارة الأوقاف بالسوق العربي ومجمع أبي جنزير التجاري وسوق النساء بواد مدني.وفي ظل هذه الإصلاحات الواسعة تحولت الأوقاف من مصلحة حكومية تعيش عالة على موارد الدولة الشحيحة إلى هيئة فاعلة مؤثرة تقدم الدعم لمؤسسات التعليم والجمعيات الخيرية وتمنح المساعدات للفقراء.
القروض الصغيرة في الهند
بادرت الحكومة المركزية في عام 1974 بإنشاء برنامج تنمية الأوقاف الإسلامية الحضرية الذي خصصت له منحة مالية مقدارها 500000 روبية هندية يستخدمها المجلس المركزي للأوقاف في تقديم قروض صغيرة لمجالس الأوقاف الإقليمية والمنشآت الوقفية المنفردة لتمويل مشروعات إنماء أملاكها بالمدن وبلغ عدد المشروعات التي مولت بهذا الأسلوب حتى عام 1997 إجمالا 87 مشروعا وبلغ إجمالي المبالغ المعاد تدويرها كقروض حوالي 150 مليون روبية هندية يتم سداد القرض على عشري قسطا نصف سنوي ويقدر متوسط الزيادة في إيرادات الأعيان الوقفية التي استفادت من ذلك التمويل بنسبة 24%.كما قامت هذه القروض بتمويل العديد من البرامج التعليمية لمساعدة المنظمات الطوعية على تنفيذ برامجها في مجال التدريب المهني وتقديم المنح الطارئة للطلاب الفقراء وقد تمكن صندوق دعم التعليم من تمويل 4200 منحة دراسية وتقديم مساعدات طارئة إلى حوالي 686 حالة من حالات الطلاب الفقراء وتقديم الدعم في مجال التدريب المهني إلى 144 منظمة طوعية وبذلك أصبح الوقف مؤسسة فاعلة ومؤثرة في سد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدى المجتمع الإسلامي في الهند.مثلث الإصلاحيتبين من خلال هذه التجارب أن المحاور الأساسية لجهود الإصلاح في هذه الدول شملت الجانب التشريعي والإداري والمالي.فعلى الجانب التشريعي انطلقت هذه التجارب من إصلاح التشريعات الوقفية بشكل يسمح بالتشجيع على زيادة الأوقاف واستعادة الأوقاف التي تم اغتصابها.وعلى الجانب الإداري كان توجه البعض من الدول نحو النهوض بالدور التنموي للوقف دافعا لنشأة هيئات وقفية مستقلة باستحداث صيغ تنظيمية جديدة تسعى لتنمية الوقف واستثماره والتوعية بدوره التنموي.كما أن مشكلة التمويل تعد من ابرز المشكلات التي عاقت تطور القطاع الوقفي وحدت من كفاءته لذلك كان لابد من الإصلاح المالي من خلال إيجاد آلية إسلامية دولية تسهم في حل مشكلة تمويل القطاع الوقفي وقد تبلورت فكرة إنشاء هيئة إسلامية عالمية للوقف وصندوق استثماري يتخصص في تمويل مشاريع الأوقاف على أسس تجارية خلال مؤتمر وزراء أوقاف الدول الإسلامية في جاكرتا أواخر التسعينات ومازالت المحاولات مستمرة لمتابعة إنشاء هذه الهيئة.ومازال الأمل في مزيد من تجارب ناجحة للدول الأخرى مما قد تبشر بتوجه جاد وجديد نحو إحياء دور مؤسسة الوقف.

وختاماً ...
فالوقف من المعاملات الشرعية التي جاء بها الإسلام وندب إلى فعلها والحث عليها، لما فيه من مصلحة تلحق بالأمة في الدنيا والآخرة، وأنه من المعاملات اللازمة التي لا تنتقص بعد صدورها من الواقف ومن الأهمية بمكان أن تجعل الوقف صالحاً للبقاء والدوام من خلال الإنفاق عليه من غلته، أو من الأموال الموقوفة. وبذلك تمن دوام الدخل وسد حاجات المعوزين من أفراد المجتمع ... وفيما يضمن تنمية رأس المال البشري يوفر الوقف أيدي عاملة متخصصة ومتنوعة في مجالات متخلفة، يفسر ذلك تنويعه لأشكال الوقف والجهات الموقوف عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أمثلة كتب الوقف :




الثلاثاء، 11 مارس، 2008

الوقف الاسلامي

معنى الوقف :
هو أصل يحبس ريعه ويصرف ريعه على أوجه الخير


الوقف الخيري نموذج للتكافل الاجتماعي
الوقف على الذرية وعلى المحتاجين والمعوذين يعد أبرز المظاهر الدالة على توجهات الشرع الحنيف لتحقيق التكافل الاجتماعي، فالوقف يمثل نظاماً اجتماعياً تكافلياً، ذلك أنه يقوم أساساً على مبدأ القيم والأخلاق السامية التي جاء بها الإسلام وحث عليها، فهو ينظر إلى أفراد المجتمع الذين ينضوون تحت ظله بنظرة التكافل والحرص على رفاهيتهم ومتطلبات حياتهم بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية والنزعة المصلحية، فهو يغرس التكافل والتعاطف مع الآخرين، حتى ولو لم تكن بينهم معرفة سابقة أو علاقة شخصية ويجسد علاقة أفراد المجتمع ببعضهم في صورة علاقة أعضاء الجسد الواحد ببعضه، وهذا المفهوم التضامني ينبع من أصلين هما:(أولاً) أن المال الله تعالى، والعباد مستخلفون فيه، كما قال تعالى: (وءاتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور33/)، وقوله (مما جعلكم مستحلفين) (الحديد7/).(ثانياً) الدافع الإيماني والرغبة فيما عند الله تعالى من الآجر والثواب الدائم.الوقف سمي وقفاً لما فيه من حبس المال على الجهة المعنية، فهو: تجسيد الأصل وتسبيل المنفعة (نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية ص253)دلت السنة على مشروعية الوقف، فعن عبد ا لله بن عمر رضي الله عنهما، أن عمر أحب أرضاً من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أحببت أرضاً بخيبر، لم أحبب مالا - قط - أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقاً، غير متمول مالا (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف 982/2 رقم 2586). قال الإمام أحمد: «قد وقف أصحاب رسول الله [، وهو فيهم بالمدنية ظاهرة، فمن رد الوقف فإنما رد السنة (الزركشى: شرح مختصر الخرقي 270/4).وجمهور الفقهاء يرى أن الوقف لازم بمجرد صدوره من الواقف، وليس له الرجوع فيه، ذلك أن النبي [ قال لعمر بن الخطاب] من وقفه: «لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب ولا يورث (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط من الوقف 982/2).اتفق العلماء على انه يصح الوقف على الأولاد والأقارب، والفقراء والمساكين، وعلى سبل البر من بناء المساجد والقناطر، على كتب العلم والفقه والقرآن، والمقابر والساقايات، وسبيل لله وغيرها.احتفلت أقوال العلماء في إذا بلغت أموال الوقف نصاب الزكاة، فهل تجب فيها الزكاة أم لا؟على ثلاثة أقوال:القول الأول: إن الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم، فحصل من مال الوقف ما فيه النصاب، فقد وجبت زكاته. أما إذا كان الوقف على المساكين، فإنه لا زكاة عليهم فيما يحصل في أيديهم حتى لو بلغ النصاب بلا خلاف. وهذا مذهب الحنابلة وقول للشافعية (الندوي: المجموع شرح المهذب 240/5).القول الثاني: انه لا زكاة من مال الوقف وان بلغ النصاب، وهو مروي عن طاووس ومكحول، وهو المفهوم من إطلاق الحنفية، وهو قول للشافعية (الكاساني: بدائع الضائع 9/2).القول الثالث: إن الزكاة تجب في مال الوقف، سواء كانت على معينين أم غير معينين وهو مذهب مالك (المرونة 285/1).ويظهر رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من وجوب الزكاة في أموال الوقف إذا بلغت الوقف إذا بلغت نصاباً، وكان الوقف على معينين.إن الوقف له دور رئيسي في سد حاجات المجتمع الإسلامي، فأسمى أهداف الوقف ترتيب الأجر والثواب المستمر للعباد في حياتهم وبعد مماتهم، من خلال الإنفاق والتصدق والبذل في وجوه البر. وهذا سبيل إلى مرضاة الله ورسوله، وطريق إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار. فالوقف نوع من القربات التي يستمر بها صدقة جارية إلى قيام الساعة، فعن أبي هريرة ]، أن النبي [ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد يدعو له (رواه مسلم في صحيحه، كتاب الوحية 1255/3 - رقم 1631).ويحقق الوقف مبدأ تكافل المجتمع وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، ويضمن الوقف بقاء المال وحمايته ودوام الانتفاع منه، ويوفر سبل التنمية عملياً وعملياً بمفهوم تكاملي شامل.من مظاهر التكافل الاجتماعي التي يحققها الوقف، الوقف على المحتاجين والمعوزين. فأسهم الوقف الخيري على هولاء في سد حاجتهم، حيث عمل على تخفيف معاناتهم، وتأمين حياة كريمة لهم ولقد تجلت مظاهر الوقف الخيري على أولئك المعدمين في عدة صور، منها:1 - وقف الرباطات والخانات: وقد أسهمت إلى حد بعيد في تأمين إقامة وبيت لمن لا مأوى له، لا سيما أبناء السبيل الذين انقطعت بهم السبل ولا مأوى لهم.2 - وقف القايات والمطاعم: ويهدف مثل هذا الوقف إلى تأمين المأكل والمشرب لأولئك المعوزين الذين لا يملكون من المال ما يدفع عنهم ضرر الجوع والعطش، ومن أمثلتها: تكية السلطات سليم، والشيخ محي الدين بدمشق، وتكية الحرم الإبراهيم بالخليل.3 - صرف مبالغ مالية ومساعدات عينية: ومصدر هذه الأموال من تلك الأوقاف التي استغلت واستثمرت حتى أصبح لها ريع ينفق على الفقراء والمساكين، وهذا النوع من المساعدة الوقفية يهدف إلى تأمين دخل دوري وثابت لأولئك المعوزين أو العاجزين.أيضاً، تنوعت خدمات الوقف لدور التعليم والمتعلمين، حيث كفلت للمعلمين والمتعلمين شؤون التعليم والإقامة والطعام والعلاج، بل وتأمين أماكن إقامة يأوي إليها المسافرون لطلب العلم.وقد امتاز التعليم الوقفي بمجانيته، حيث أعفى الدارسون من الرسوم المفروضة، ويمتاز أيضاً بعموميته، وبمنظور اقتصادي يجمع دور الوقف ههنا دوراً عظيماً في تنمية رأس المال البشري.

الوقف الخيري وأثره في تاريخ المسلمين .. د.يوسف القرضاوي

المجتمع المسلم مجتمع متراحم متكافل، يرحم الكبير فيه الصغير، ويعطف فيه الغنيُّ على الفقير، ويأخذ القويُّ بيد الضعيف، وهو كما صوَّره الرسول الكريم: كالجسد الواحد ، وكالبنيان يشدُّ بعضه بعضا .
تسود هذا المجتمع عندما يستمسك بتعاليم الإسلام: عواطف خيِّرة، ومشاعر إنسانية نبيلة، تفيض بالخير والبرِّ، وتتدفَّق بالرحمة والإحسان، تجلَّت هذه المشاعر والعواطف فيما عُرف بنظام (الوقف الخيري) عند المسلمين.
وهذا النظام ثابت من عهد النبوة، ومن المعروف أن أول وقف عُرف في الإسلام، هو وقف عمر بن الخطاب.
فقد روى الجماعة، عن ابن عمر: أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضا بخيبر، لم أُصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ قال: "إن شئتَ حبَّستَ أصلها وتصدَّقتَ بها". قال: فتصدَّق بها عمر - على أن لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث - في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن وابن السبيل، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متموِّل. وفي لفظ: غير متأثِّل مالا .
وفي رواية البخاري: "حبِّسْ أصلها، وسَبِّلْ ثمرتها". وفي أخرى له: "تصدَّق بثمره، وحبِّس أصله". وفي رواية للبيهقي: "تصدَّق بثمره وحبِّس أصله لا يباع ولا يورث" .
وفي حديث عمرو بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكِّل صديقا له غير متأثِّل. قال: وكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر، ويهدي لناس من أهل مكة كان ينزل عليهم.
وفيه من الفقه: أن مَن وقف شيئا على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.
وعن عثمان: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدِم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رُومة، فقال: "مَن يشتري بئر رُومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟". فاشتريتها من صلب مالي .
فقد سجَّل التاريخ لكثير من أهل الخير والثراء من المسلمين: أنهم وقفوا - بدافع الرحمة التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وألاَّ ينقطع عملهم بعد موتهم - أموالهم كلَّها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإعانة المحروم، ومداواة المريض، وإيواء المشرَّد، وكفالة الأرملة واليتيم، وعلى كلِّ غرض إنساني شريف، بل أشركوا في برِّهم الحيوان مع الإنسان.
ولنقرأ هنا فقرات من بيان وزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري، الذي ألقاه في مجلس الشعب المصري، مبينا مآثر الوقف الخيري الإسلامي.
قال رحمه الله: (ولقد تأخذ أحدنا الدهشة - وهو يستعرض حُجَج الواقفين - ليرى القوم في نبل نفوسهم، ويقظة ضمائرهم، وعلوِّ إنسانيتهم، بل سلطان دينهم عليهم: يتخيَّرون الأغراض الشريفة التي يقفون لها أموالهم، ويرجون أن تنفق في سبيل تحقيقها هذه الأموال.
وربما استشرفت النفوس إلى أمثلة من هذا البرِّ يعين ذكرها على تفصيل هذا الإجمال. فإلى هذه النفوس المستشرفة نسوق هذه الأمثلة:
وقف الأواني المكسورة
وهو وقف تُشتري منه صحاف الخزف الصيني، فكلُّ خادم كُسرت آنيته، وتعرَّض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحًا بدلاً منه. وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه.
وقف الكلاب الضالَّة
وهو وقف في عدَّة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذًا لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.
وقف إعارة الحليِّ في الأعراس
وهو وقف لإعارة الحُلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذه يتيسَّر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحُلَّة لائقة، ولعروسه أن تجلَّى في حُلَّة رائقة، حتي يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.
وقف الزوجات الغاضبات
وهو وقف يؤسَّس من رَيعه بيت، ويعدُّ فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من جفاء، وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.
وقف مؤنس المرضى والغرباء
وهو وقف يُنفق منه على عدَّة مؤذنين، من كلِّ رخيم الصوت، حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتِّل كلٌّ منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض، الذي ليس له مَن يخفِّف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له مَن يؤنسه.
وقف الإيحاء إلى المريض بالشفاء
وهو وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرِّضين يقفان قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيردُّ عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير، فهو مرجو البُرء، ولا يوجد في عِلَّته ما يُقلق أو يزعج، وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة أيام!) .
فهذا لون من الإيحاء النفسي للمريض يقرِّب الشفاء، واكتساب العافية. وقد ثبت علميا: أن هذا له أثره الإيجابي في التعجيل بالشفاء بإذن الله.
وقف في بلاد المغرب لمن عجز عن دفع أجرة الحمام
وفي بلاد المغرب: عُرفت أنواع أخرى من الأوقاف، مثل: الوقف على مَن يريد دخول (الحمَّامات العامَّة) ولا يجد أجر الحمَّام، فيأخذ من هذا الوقف ما ينظِّف به جسده، ويقضي وطره.
وقف على نوع مهاجر من الطير
وفي مدينة فاس: وُجد وقف على نوع من الطير، يأتي إلى فاس في موسم معيَّن، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن. كأنما شعر هؤلاء الخيِّرون من المسلمين: أن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حقَّ الضيافة والإيواء!!
الوقف على القطط التي لا مؤوي لها
ومما ذكره الأستاذ الدكتور السباعي في كتابه (اشتراكية الإسلام): وقف رعاية الحيوانات الأليفة التي لا تجد مَن يطعمها، كالقطط - ولا سيما المصابة بالعمى منها - مثل (بيت القطط) الذي قال: إنه كان إلى عهد قريب موجودا في سوق (ساروجة) بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة من الفارهات السمان!!
وهكذا سلك الواقفون كلَّ مسالك الخير، فلم يدعوا جانبًا من جوانب الحياة، دون أن يكون للخير نصيب فيه.
وهم بهذا إنما يصدرون عن إحساسات إنسانية عميقة، تنفذ إلى مواطن الحاجة التي تعرض للناس في كلِّ زمان ومكان. بل هي لم تقتصر على الإنسان، حتى شملت الطير والحيوان!!
ولا شكَّ أن العقيدة هي صاحبة الفضل في خلق هذه الأحاسيس الرقيقة، وإيقاظ تلك المشاعر السامية التي تنبَّهت لتلك الدقائق، في كلِّ زاوية من زوايا المجتمع، وكلِّ منحى من مناحي الحياة. ولم يكفِهم أن يكون برُّهم مقصورًا على حياتهم القصيرة، فأرادوها صدقة جارية، وحسنة دائمة، يُكتب لهم أجرها ما بقيت الحياة، وبقي الإنسان.
المؤسسات الخيرية في تاريخ المسلمين
ومن أبرز الدلائل على رسوخ معنى الخير، ومشاعر البرِّ والمرحمة، وعمق جذوره في تاريخ أمتنا: كثرة المؤسسات التي تُعنى بخير الإنسان، والبرِّ بالإنسان.
ويسرُّني أن أنقل هنا صفحات مشرقة مما كتبه الداعية الكبير العلاَّمة الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه البديع (من روائع حضارتنا) عن هذه المؤسسات، قال:
(كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعا تنشئه الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعا ينشئه الأفراد من أمراء وقوَّاد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدِّد أنواع المؤسسات الخيرية كلَّها، ولكن حسبنا أن نلمَّ بأهمِّها:
فمن أول المؤسسات الخيرية: المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسِّسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك من أموال بالغة على بناء الجامع الأُموي، مما لا يكاد يصدِّقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال، وما استخدم في إقامته من رجال.
ومن أهمِّ المؤسسات الخيرية: المدارس والمستشفيات. وسنفرد لها حديثا خاصًا إن شاء الله.
ومن المؤسسات الخيرية: بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر.
ومنها: التكايا والزوايا، التي ينقطع فيها مَن شاء لعبادة الله عزَّ وجلَّ.
ومنها: بناء بيوت خاصة للفقراء، يسكنها مَن لا يجد ما يشتري به أو يستأجر دارًا.
ومنها: السقايات، أي تسبيل الماء في الطرقات العامَّة للناس جميعًا.
ومنها: المطاعم الشعبية، التي كان يفرَّق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريبًا بهذا النوع في كلٍّ من تكيَّة السلطان سليم، وتكيَّة الشيخ محيي الدين بدمشق.
ومنها: بيوت للحجاج في مكة، ينزلونها حين يفِدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمَّت أرض مكة كلَّها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج، لأنها كلُّها موقوفة على الحجاج.
ومنها: حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، فقد كانت كثيرة جدًا بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقُراها، حتى قلَّ أن يتعرَّض المسافرون - في تلك الأيام - لخطر العطش.
ومن المؤسسات الاجتماعية: ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور.
ومنها: ما كانت للمقابر يتبرَّع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها: ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.
ومنها: المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعَدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كلُّ ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضًا.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين، ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب، لصيانة صحَّتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعَدين بمَن يقودهم ويخدمهم.
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزَّاب ممَّن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور ... فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها: مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية (نقطة الحليب) عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله عزَّ وجلَّ، وقد كان من مَبَرَّات صلاح الدين: أنه جعل في أحد أبواب القلعة - الباقية حتى الآن في دمشق - ميزابًا يسيل منه الحليب، وميزابًا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي الأمهات يومين في كلِّ أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
ومن أطرف المؤسسات الخيرية: وقف (الزبادي) ، للأولاد الذين يكسرون الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلاً من المكسورة، ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنهم لو يصنعوا شيئًا.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات: المؤسسات التي أُقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفًا للخيول والحيوانات العاجزة المُسنَّة ترعى فيه حتى تلاقي حتفها).

تنمية الوقف الإسلامي … تجارب رائدة
مؤسسة الوقف من المؤسسات التي لعبت دورا فاعلا في تاريخ الحضارة الإسلامية حيث كان الوقف هو الممول الرئيسي لكثير من المرافق كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ومنشآت الدفاع والأمن ومؤسسات الفكر والثقافة.ورغم تراجع دور الوقف إبان حقبة الاستعمار إلا أن الآونة الأخيرة شهدت توجها جادا لتفعيل دور الوقف في المجتمعات الإسلامية.في إطار ذلك التوجه سعت بعض هيئات الأوقاف ومؤسسات البحث في العالم الإسلامي ومن بينها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت إلى إثراء الساحة العلمية بالعديد من المؤتمرات والندوات في مجال أبحاث الوقف النظرية والتطبيقية وكان من أبرزها التعاون المشترك بين المعهد والأمانة في تنفيذ برنامج توثيق التجارب الوقفية في الدول الأعضاء.ويعد كتاب ( نظام الوقف في التطبيق المعاصر – نماذج مختارة من الدول والمجتمعات الإسلامية-) ثمرة لهذا التعاون قام بتحريره محمود احمد مهدي .ويشتمل الكتاب على تجارب الوقف في سبع دول إسلامية هي المغرب والجزائر والأردن ولبنان والكويت والسودان وماليزيا إضافة إلى تجربة المجتمع الإسلامي في الهند.وعلى الرغم من المحاولات الجادة لإصلاح التشريعات الخاصة بالوقف في دول المغرب والجزائر ولبنان وماليزيا إلا أن مجال الوقف لم يتعد المساجد ولا يضطلع بدور تنموي في هذه البلاد لذا سنسلط الضوء على التجارب التنموية الرائدة للوقف في الأردن والكويت والسودان والهند.
اعمار الوقف بالأردن

تتعهد وزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية إدارة الأوقاف وتنظيمها واستثمار أموال الوقف وعقد القروض المالية غير الربوية المتعلقة بمشاريع الأوقاف وتقوم الوزارة بتشجيع الوقف الخيري على جهات البر المتعددة وترسيخ معاني الوقف الإسلامي ودوره في التنمية كما قامت الحكومة بزيادة دعم موازنة الأوقاف حيث بلغت نسبة الدعم 13 مليون دينار أردني في عام 1999 .وتلعب الأوقاف دورا هاما في التنمية الشاملة في الأردن
ففي مجال التنمية الاجتماعية:
تسعى الوزارة لتفعيل دور المسجد والمدارس والكليات الشرعية ودور الأيتام والمراكز الصحية.وفي مجال التنمية الاقتصادية:يشارك الوقف في حل بعض المشكلات الاقتصادية كالمرض والفقر والجهل ويسهم اعمار الوقف في حل قضايا الإسكان وتوفير الأبنية التجارية كما له دور في تنمية الزراعة من خلال المشروعات الزراعية وتأجير قطع الأراضي بهدف الاستفادة منها .ومن ذلك مشروع اعمار مسجد الشهداء بالكرك حيث تم تنفيذ مشروع متكامل يضم مسجدا وسوقا تجارية ومدرسة وقاعة متعددة الأغراض ومكتبة مما ساهم في خلق فرص عمل ومجالات مهنية جديدة كما اثر على مستوى تنمية الوقف وزيادة موارده من خلال التأجير والاستغلال المباشر للسوق التجاري ورسوم دخول المشروع السياحي واستغلال أراضي المشروع الخالية من المباني في المستقبل.وتتنوع صيغ استثمار أموال الوقف ما بين التمويل الذاتي والإجارة والمرابحة والاستصناع والمزارعة وسندات المقايض.وقد استحدثت الوزارة مديرية للتنمية والاستثمارات الوقفية تهدف لتنمية واستثمار أموال الوقف مع توجيه المواطنين لمجالات عديدة للوقف.

الصناديق الوقفية بالكويت

للكويت تجربة مميزة في الوقف بدأت مع استقلال البلاد وتشكيل أول حكومة في تاريخ الكويت حيث انشأ قطاع مستقل للأوقاف فتراجعت المشاركة الأهلية في الإشراف على الوقف إلا أن الانطلاقة الفعلية للوقف كانت في عام 1993 بصدور مرسوم أميري بإنشاء الأمانة العامة للأوقاف والتي استحدثت تجربة الصناديق الوقفية والمشاريع الوقفية.تقوم الصناديق الوقفية بالدعوة لإحياء سنة الوقف من خلال مشروعات ذات أبعاد تنموية تلبي احتياجات الناس وتجديد الدور التنموي للوقف وتطوير العمل الخيري من خلال طرح نموذج يحتذى به حيث يحق لكل صندوق التعاون منفردا مع جمعيات النفع العام التي تشترك معه في الأهداف ويجوز له القيام بمشاريع مشتركة مع تلك الجمعيات وتغطي هذه الصناديق مجالات القرآن وعلومه ورعاية المعاقين والفئات الخاصة والتنمية الصحية وحماية البيئةالمشاريع الوقفية شهدت التجربة الوقفية تأسيس مشاريع وقفية غطت العديد من المجالات مثل إعداد قواعد البيانات ورعاية الحرفيين والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وثقافة الطفل ورعاية الأسرة وتكريس الإبداع العلمي.
الأسهم الوقفية بالسودان

منذ عام 1989 بدأت هيئة الأوقاف السودانية في استقطاب العديد من الكوادر الإدارية والفنية المؤهلة وحصرت كل الأوقاف وقامت بتوثيقها واستعادت ما اخذ منها بالغصب ووضعت الخطط والبرامج لتنمية الأوقاف رأسيا وأفقيا ومن هذه البرامج الرائدة تجربة الأسهم الوقفية التي أتاحت لصغار المانحين المساهمة في مجال الوقف بإصدار أسهم وقفية يكتتب فيها الواقفون لامتلاك حصة موقوفة منهم في مشروع معين ثم أنشأت الهيئة الشركة الوقفية الأم وهي شركة وقفية قابضة برأسمال مصرح به مقداره 3 مليارات جنيه سوداني ولم يمض وقت طويل حتى استطاعت الهيئة أن تحقق العديد من الانجازات فأنشأت العديد من العقارات الوقفية الحديثة مثل مجمع سوق الذهب وعمارة الأوقاف بالسوق العربي ومجمع أبي جنزير التجاري وسوق النساء بواد مدني.وفي ظل هذه الإصلاحات الواسعة تحولت الأوقاف من مصلحة حكومية تعيش عالة على موارد الدولة الشحيحة إلى هيئة فاعلة مؤثرة تقدم الدعم لمؤسسات التعليم والجمعيات الخيرية وتمنح المساعدات للفقراء.
القروض الصغيرة في الهند
بادرت الحكومة المركزية في عام 1974 بإنشاء برنامج تنمية الأوقاف الإسلامية الحضرية الذي خصصت له منحة مالية مقدارها 500000 روبية هندية يستخدمها المجلس المركزي للأوقاف في تقديم قروض صغيرة لمجالس الأوقاف الإقليمية والمنشآت الوقفية المنفردة لتمويل مشروعات إنماء أملاكها بالمدن وبلغ عدد المشروعات التي مولت بهذا الأسلوب حتى عام 1997 إجمالا 87 مشروعا وبلغ إجمالي المبالغ المعاد تدويرها كقروض حوالي 150 مليون روبية هندية يتم سداد القرض على عشري قسطا نصف سنوي ويقدر متوسط الزيادة في إيرادات الأعيان الوقفية التي استفادت من ذلك التمويل بنسبة 24%.كما قامت هذه القروض بتمويل العديد من البرامج التعليمية لمساعدة المنظمات الطوعية على تنفيذ برامجها في مجال التدريب المهني وتقديم المنح الطارئة للطلاب الفقراء وقد تمكن صندوق دعم التعليم من تمويل 4200 منحة دراسية وتقديم مساعدات طارئة إلى حوالي 686 حالة من حالات الطلاب الفقراء وتقديم الدعم في مجال التدريب المهني إلى 144 منظمة طوعية وبذلك أصبح الوقف مؤسسة فاعلة ومؤثرة في سد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدى المجتمع الإسلامي في الهند.مثلث الإصلاحيتبين من خلال هذه التجارب أن المحاور الأساسية لجهود الإصلاح في هذه الدول شملت الجانب التشريعي والإداري والمالي.فعلى الجانب التشريعي انطلقت هذه التجارب من إصلاح التشريعات الوقفية بشكل يسمح بالتشجيع على زيادة الأوقاف واستعادة الأوقاف التي تم اغتصابها.وعلى الجانب الإداري كان توجه البعض من الدول نحو النهوض بالدور التنموي للوقف دافعا لنشأة هيئات وقفية مستقلة باستحداث صيغ تنظيمية جديدة تسعى لتنمية الوقف واستثماره والتوعية بدوره التنموي.كما أن مشكلة التمويل تعد من ابرز المشكلات التي عاقت تطور القطاع الوقفي وحدت من كفاءته لذلك كان لابد من الإصلاح المالي من خلال إيجاد آلية إسلامية دولية تسهم في حل مشكلة تمويل القطاع الوقفي وقد تبلورت فكرة إنشاء هيئة إسلامية عالمية للوقف وصندوق استثماري يتخصص في تمويل مشاريع الأوقاف على أسس تجارية خلال مؤتمر وزراء أوقاف الدول الإسلامية في جاكرتا أواخر التسعينات ومازالت المحاولات مستمرة لمتابعة إنشاء هذه الهيئة.ومازال الأمل في مزيد من تجارب ناجحة للدول الأخرى مما قد تبشر بتوجه جاد وجديد نحو إحياء دور مؤسسة الوقف.

وختاماً ...
فالوقف من المعاملات الشرعية التي جاء بها الإسلام وندب إلى فعلها والحث عليها، لما فيه من مصلحة تلحق بالأمة في الدنيا والآخرة، وأنه من المعاملات اللازمة التي لا تنتقص بعد صدورها من الواقف ومن الأهمية بمكان أن تجعل الوقف صالحاً للبقاء والدوام من خلال الإنفاق عليه من غلته، أو من الأموال الموقوفة. وبذلك تمن دوام الدخل وسد حاجات المعوزين من أفراد المجتمع ... وفيما يضمن تنمية رأس المال البشري يوفر الوقف أيدي عاملة متخصصة ومتنوعة في مجالات متخلفة، يفسر ذلك تنويعه لأشكال الوقف والجهات الموقوف عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الاثنين، 10 مارس، 2008










تنمية الوقف الإسلامي … تجارب رائدة
بقلم: عبد القادر

مؤسسة الوقف من المؤسسات التي لعبت دورا فاعلا في تاريخ الحضارة الإسلامية حيث كان الوقف هو الممول الرئيسي لكثير من المرافق كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ومنشآت الدفاع والأمن ومؤسسات الفكر والثقافة.
ورغم تراجع دور الوقف إبان حقبة الاستعمار إلا أن الآونة الأخيرة شهدت توجها جادا لتفعيل دور الوقف في المجتمعات الإسلامية.
في إطار ذلك التوجه سعت بعض هيئات الأوقاف ومؤسسات البحث في العالم الإسلامي ومن بينها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع
للبنك الإسلامي للتنمية والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت إلى إثراء الساحة العلمية بالعديد من المؤتمرات والندوات في مجال أبحاث الوقف النظرية والتطبيقية وكان من أبرزها التعاون المشترك بين المعهد والأمانة في تنفيذ برنامج توثيق التجارب الوقفية في الدول الأعضاء.

ويعد كتاب ( نظام الوقف في التطبيق المعاصر – نماذج مختارة من الدول والمجتمعات الإسلامية-) ثمرة لهذا التعاون قام بتحريره محمود احمد مهدي .
ويشتمل الكتاب على تجارب الوقف في سبع دول إسلامية هي المغرب والجزائر والأردن ولبنان والكويت والسودان وماليزيا إضافة إلى تجربة المجتمع الإسلامي في الهند.
وعلى الرغم من المحاولات الجادة لإصلاح التشريعات الخاصة بالوقف في دول المغرب والجزائر ولبنان وماليزيا إلا أن مجال الوقف لم يتعد المساجد ولا يضطلع بدور تنموي في هذه البلاد لذا سنسلط الضوء على التجارب التنموية الرائدة للوقف في الأردن والكويت والسودان والهند.
اعمار الوقف بالأردن
تتعهد وزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية إدارة الأوقاف وتنظيمها واستثمار أموال الوقف وعقد القروض المالية غير الربوية المتعلقة بمشاريع الأوقاف وتقوم الوزارة بتشجيع الوقف الخيري على جهات البر المتعددة وترسيخ معاني الوقف الإسلامي ودوره في التنمية كما قامت الحكومة بزيادة دعم موازنة الأوقاف حيث بلغت نسبة الدعم 13 مليون دينار أردني في عام 1999 .
وتلعب الأوقاف دورا هاما في التنمية الشاملة في الأردن ففي مجال التنمية الاجتماعية:
تسعى الوزارة لتفعيل دور المسجد والمدارس والكليات الشرعية ودور الأيتام والمراكز الصحية.
وفي مجال التنمية الاقتصادية:
يشارك الوقف في حل بعض المشكلات الاقتصادية كالمرض والفقر والجهل ويسهم اعمار الوقف في حل قضايا الإسكان وتوفير الأبنية التجارية كما له دور في تنمية الزراعة من خلال المشروعات الزراعية وتأجير قطع الأراضي بهدف الاستفادة منها .
ومن ذلك مشروع اعمار مسجد الشهداء بالكرك حيث تم تنفيذ مشروع متكامل يضم مسجدا وسوقا تجارية ومدرسة وقاعة متعددة الأغراض ومكتبة مما ساهم في خلق فرص عمل ومجالات مهنية جديدة كما اثر على مستوى تنمية الوقف وزيادة موارده من خلال التأجير والاستغلال المباشر للسوق التجاري ورسوم دخول المشروع السياحي واستغلال أراضي المشروع الخالية من المباني في المستقبل.
وتتنوع صيغ استثمار أموال الوقف ما بين التمويل الذاتي والإجارة والمرابحة والاستصناع والمزارعة وسندات المقايض.
وقد استحدثت الوزارة مديرية للتنمية والاستثمارات الوقفية تهدف لتنمية واستثمار أموال الوقف مع توجيه المواطنين لمجالات عديدة للوقف.
الصناديق الوقفية بالكويت
للكويت تجربة مميزة في الوقف بدأت مع استقلال البلاد وتشكيل أول حكومة في تاريخ الكويت حيث انشأ قطاع مستقل للأوقاف فتراجعت المشاركة الأهلية في الإشراف على الوقف إلا أن الانطلاقة الفعلية للوقف كانت في عام 1993 بصدور مرسوم أميري بإنشاء الأمانة العامة للأوقاف والتي استحدثت تجربة الصناديق الوقفية والمشاريع الوقفية.
تقوم الصناديق الوقفية بالدعوة لإحياء سنة الوقف من خلال مشروعات ذات أبعاد تنموية تلبي احتياجات الناس وتجديد الدور التنموي للوقف وتطوير العمل الخيري من خلال طرح نموذج يحتذى به حيث يحق لكل صندوق التعاون منفردا مع جمعيات النفع العام التي تشترك معه في الأهداف ويجوز له القيام بمشاريع مشتركة مع تلك الجمعيات وتغطي هذه الصناديق مجالات القرآن وعلومه ورعاية المعاقين والفئات الخاصة والتنمية الصحية وحماية البيئة
المشاريع الوقفية شهدت التجربة الوقفية تأسيس مشاريع وقفية غطت العديد من المجالات مثل إعداد قواعد البيانات ورعاية الحرفيين والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وثقافة الطفل ورعاية الأسرة وتكريس الإبداع العلمي.
الأسهم الوقفية بالسودان
منذ عام 1989 بدأت هيئة الأوقاف السودانية في استقطاب العديد من الكوادر الإدارية والفنية المؤهلة وحصرت كل الأوقاف وقامت بتوثيقها واستعادت ما اخذ منها بالغصب ووضعت الخطط والبرامج لتنمية الأوقاف رأسيا وأفقيا ومن هذه البرامج الرائدة تجربة الأسهم الوقفية التي أتاحت لصغار المانحين المساهمة في مجال الوقف بإصدار أسهم وقفية يكتتب فيها الواقفون لامتلاك حصة موقوفة منهم في مشروع معين ثم أنشأت الهيئة الشركة الوقفية الأم وهي شركة وقفية قابضة برأسمال مصرح به مقداره 3 مليارات جنيه سوداني ولم يمض وقت طويل حتى استطاعت الهيئة أن تحقق العديد من الانجازات فأنشأت العديد من العقارات الوقفية الحديثة مثل مجمع سوق الذهب وعمارة الأوقاف بالسوق العربي ومجمع أبي جنزير التجاري وسوق النساء بواد مدني.
وفي ظل هذه الإصلاحات الواسعة تحولت الأوقاف من مصلحة حكومية تعيش عالة على موارد الدولة الشحيحة إلى هيئة فاعلة مؤثرة تقدم الدعم لمؤسسات التعليم والجمعيات الخيرية وتمنح المساعدات للفقراء.

القروض الصغيرة في الهند
بادرت الحكومة المركزية في عام 1974 بإنشاء برنامج تنمية الأوقاف الإسلامية الحضرية الذي خصصت له منحة مالية مقدارها 500000 روبية هندية يستخدمها المجلس المركزي للأوقاف في تقديم قروض صغيرة لمجالس الأوقاف الإقليمية والمنشآت الوقفية المنفردة لتمويل مشروعات إنماء أملاكها بالمدن وبلغ عدد المشروعات التي مولت بهذا الأسلوب حتى عام 1997 إجمالا 87 مشروعا وبلغ إجمالي المبالغ المعاد تدويرها كقروض حوالي 150 مليون روبية هندية يتم سداد القرض على عشري قسطا نصف سنوي ويقدر متوسط الزيادة في إيرادات الأعيان الوقفية التي استفادت من ذلك التمويل بنسبة 24%.
كما قامت هذه القروض بتمويل العديد من البرامج التعليمية لمساعدة المنظمات الطوعية على تنفيذ برامجها في مجال التدريب المهني وتقديم المنح الطارئة للطلاب الفقراء وقد تمكن صندوق دعم التعليم من تمويل 4200 منحة دراسية وتقديم مساعدات طارئة إلى حوالي 686 حالة من حالات الطلاب الفقراء وتقديم الدعم في مجال التدريب المهني إلى 144 منظمة طوعية وبذلك أصبح الوقف مؤسسة فاعلة ومؤثرة في سد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدى المجتمع الإسلامي في الهند.
مثلث الإصلاح
يتبين من خلال هذه التجارب أن المحاور الأساسية لجهود الإصلاح في هذه الدول شملت الجانب التشريعي والإداري والمالي.
فعلى الجانب التشريعي انطلقت هذه التجارب من إصلاح التشريعات الوقفية بشكل يسمح بالتشجيع على زيادة الأوقاف واستعادة الأوقاف التي تم اغتصابها.
وعلى الجانب الإداري كان توجه البعض من الدول نحو النهوض بالدور التنموي للوقف دافعا لنشأة هيئات وقفية مستقلة باستحداث صيغ تنظيمية جديدة تسعى لتنمية الوقف واستثماره والتوعية بدوره التنموي.
كما أن مشكلة التمويل تعد من ابرز المشكلات التي عاقت تطور القطاع الوقفي وحدت من كفاءته لذلك كان لابد من الإصلاح المالي من خلال إيجاد آلية إسلامية دولية تسهم في حل مشكلة تمويل القطاع الوقفي وقد تبلورت فكرة إنشاء هيئة إسلامية عالمية للوقف وصندوق استثماري يتخصص في تمويل مشاريع الأوقاف على أسس تجارية خلال مؤتمر وزراء أوقاف الدول الإسلامية في جاكرتا أواخر التسعينات ومازالت المحاولات مستمرة لمتابعة إنشاء هذه الهيئة.
ومازال الأمل في مزيد من تجارب ناجحة للدول الأخرى مما قد تبشر بتوجه جاد وجديد نحو إحياء دور مؤسسة الوقف.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ